محمد الغزالي
209
خلق المسلم
والإسلام يدع المؤمن مستقرا في المكان الذي ينبت العز ويهب الحرية الكاملة ، ويجب على المؤمن أن يوفر هذه المعاني في بيئته ، فإن استحال عليه ذلك فليتحول عن دار الهوان ولينشد الكرامة في أي مكان . وفي ذلك يقول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا : فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً « 1 » . وقد عذر اللّه العجزة من الرجال الذين يفقدون القدرة على الانتقال ولا يجدون وسيلة للنجاة ، وضم إليهم النساء والأطفال فقال : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ، فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً « 2 » ، وهذا التعبير يشعر بكراهية الإسلام لاحتمال الهوان ، ويستنهض الهمم حتى تبذل الجهد كله في التخلص منه . إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو كبرياء إيمانه ، وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان ، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لسلطان ، أو يتضع في مكان ، أو يكون ذنبا لإنسان . هي كبرياء فيها من التمرد بقدر ما فيها من الاستكانة ، وفيها من التعالي بقدر ما فيها من التطامن ، فيها الترفع على مغريات الأرض ومزاعم الناس وأباطيل الحياة ، وفيها الانخفاض إلى خدمة المسلمين والتبسط معهم ، واحترام الحق الذي يجمعه بهم ، فيها إتيان البيوت من أبوابها ، واطّلاب العظمة من أصدق سبلها . مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً . إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ . وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ « 3 » . العزة والإباء والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام ، وغرسها في أنحاء المجتمع وتعهد نماءها بما شرع من عقائد وسن من تعاليم ، وإليها يشير
--> ( 1 و 2 ) النساء : 97 - 99 . ( 3 ) فاطر : 10 .